محمد جواد مغنية
21
في ظلال نهج البلاغة
هي الحال في وصف الانسان بالعلم ، فإن حقيقة الانسان حيوان ناطق ، وحقيقة العلم الكشف عن الواقع ، فإذا وصفنا الانسان بالعلم فقد وصفناه بما هو زائد وخارج عن ذاته وطبيعته ، وإلا كان الانسان بما هو عالما من غير كسب واستفادة وبحث ودرس ، وهذا خلاف الحس والوجدان - هل وصف اللَّه بالعلم وغيره كذلك وعلى هذه الحال ، أو ان اللَّه يوصف بالعلم والقدرة بمقتضى ذاته وحقيقته ، لا بشيء زائد عنها تماما كوصف الانسان بالانسانية ، والشجر بالشجرية - مثلا - . قال الأشاعرة كل صفاته تعالى غير ذاته وزائدة عليها ، ومعنى هذا ان ذاته بما هي لا تقتضي العلم والقدرة ونحوهما من الكمال تماما كما أن ذات الانسان لا تقتضي العلم . وقد تخطوا بذلك حدود التوحيد حيث يلزمهم القول بتعدد القديم كما تخطوا حدود العدل في قولهم بالجبر . . وما لنا ولهم فلندعهم وشأنهم . وذهب أهل العدل والتوحيد إلى أنه لا صفات لذات اللَّه تزيد على ذاته ، وان وصفه بالعلم والقدرة تماما كوصف الانسان بالإنسانية ، والشجر بالشجرية ، لأن ذاته تعالى بما هي وبطبعها وحقيقتها تقتضي العلم والقدرة ، بل هي عين العلم والقدرة كما أن الانسانية عين الانسان ، لأن كماله تعالى ذاتي لا كسبي ، ومطلق غير مقيد بشيء دون شيء ، وجهة دون جهة ، وانه بموجب هذا الكمال الذاتي المطلق غني عن كل شيء يزيد على ذاته وكنهه . . ولما ذا الزيادة وما هو الداعي إليها إليها ما دامت الذات القدسية كاملة بنفسها من كل الجهات وهل نحتاج إلى الزائد لنكمل به الكامل ، ونتمم التام وعلى هذا إذا أطلقت صفات الكمال عليه تعالى كالعالم والقادر - فيجب ان يراد بها نفس الذات القدسية التي تقتضي القدرة والعلم ، بل هي عين العلم والقدرة ، تماما كما يراد من كلمة « اللَّه » . وكل وصف جاء في القرآن الكريم ، وعلى ألسنة الراسخين في العلم فإن المراد هذا المعنى بالخصوص . . أما الصفات المنفية عن ذاته تعالى في كلام الإمام ( ع ) فهي الأحوال الخارجة عن الذات والزائدة عليها ، وتعرض لها بسبب من الأسباب ، تنفى هذه عنه لأنها من صفات المخلوقين دون الخالق . وتسأل : كيف نتصور وحدة الذات مع تعدد الصفات وهل هذا إلا كقول من قال : الأب والابن وروح القدس إله واحد .